جلال الدين السيوطي
95
التحبير في علم التفسير
الكتاب أي أصله لأنّهنّ مكتوبات في جميع الكتب ، وقال مقاتل : لأنه ليس من دين إلّا يرضى بهنّ . وقيل في المتشابه : إنه المنسوخ والمقدّم والمؤخّر والأمثال والأقسام وما يؤمن به ولا يعمل به . وروي عن ابن عبّاس ، وقال مقاتل : هي الحروف المقطّعة في أوائل السّور . واختلف النّاس في تفسير المتشابه بحسب اختلافهم في : هل يعلمه الرّاسخون أو لا ؟ فعلى الأول هو ما لم يتّضح معناه ، وعلى الثّاني : ما استأثر اللّه بعلمه . وكذا اختلف القرّاء في الوقف : هل هو على قوله : ( إلّا اللّه ) أو ( والرّاسخون في العلم ) ؟ والذي عليه الجمهور أن المتشابه لا يعلمه إلّا اللّه ، فقد روى البخاري من حديث عائشة قالت : تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هذه الآية هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ . . . الآية فقال : فإذا رأيت الّذين يتّبعون ما تشابه منه فأولئك الّذين سمّى اللّه فاحذرهم . النّوع السّادس والأربعون : المشكل هذا النوع من زيادتي ، ويشبهه من أنواع علم الحديث : مختلف الحديث والفرق بينه وبين المتشابه : أن المتشابه لا يفهم معناه والمراد منه وهذا يفهم بالجمع ، إذ المراد منه الآيات التي ظاهرها التّعارض المنزّه عنه كلام اللّه ، وقد صنّف ابن قتيبة كتابا جيدا في هذا النوع . مثال ذلك ما رواه الحاكم وعلّقه البخاري : أنّ رجلا سأل ابن عبّاس عن قوله تعالى : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [ ( 6 ) الأنعام : 23 ] ، وقوله في آية أخرى : وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً [ ( 4 ) النساء : 42 ] ، فقال ابن عباس : أمّا قوله : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فإنهم لما رأوا يوم القيامة أنّه لا يدخل الجنّة إلّا أهل الإسلام قالوا : تعالوا فلنجحد فختم اللّه على أفواههم فتكلّمت أيديهم وأرجلهم فلا يكتمون اللّه حديثا . وكذا روي عنه في آيات نحو ذلك : أنّ في القيامة مواقف ففي بعضها ينكرون ، وفي بعضها يقرّون وفي بعضها يسألون وفي بعضها لا يسألون كما قال تعالى : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ [ ( 52 ) الطور : 25 ] وقال تعالى في آية أخرى : فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ [ ( 23 ) المؤمنون : 101 ] . وقال : فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ [ ( 15 ) الحجر : 92 ، 93 ] ، وقال في آية أخرى : فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ [ ( 55 ) الرحمن : 29 ] وقال تعالى : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ ( 43 ) الزخرف : 52 ] ، وقال : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [ ( 28 ) القصص : 56 ] والجمع أنّ الهدى مشترك فيطلق على الدلالة وهو المنسوب إليه في الأوّل ، وعلى خلق الاهتداء وهو المنفيّ عنه في الثاني .